أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
42
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
قَوْمِكَ « 1 » أي كيف سبقتهم ؟ يقال : أعجلني فعجلت له ، واستعجلته : تقدّمته فحملته على العجلة . وأصل العجلة : طلب الشيء وتحرّيه « 2 » قبل أوانه ، وهو مقتضى الشّهوة ، فلذلك صارت مذمومة في عامّة القرآن ، حتى قيل : العجلة من الشيطان . قوله : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى « 3 » أي ممّا خصّ من الذمّ فإنّها وإن كانت عجلة لكنها محمودة ، إذ المقصود بها رضى ربّه . وللراغب هنا عبارة ؛ قال « 4 » : فذكر أنّ عجلته ، وإن كانت مذمومة ، فالذي دعا إليها أمر محمود وهو رضى اللّه . وهذا إنّما ذكرته تنبيها على خطابه في ذلك إذ لا يصدر من الأنبياء ما يذمّ عليه البتّة . قوله تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ « 5 » تنبيها أنّ طبعه العجلة بمنزلة من خلق من الشيء فكأنّ العجلة مادّته . وأصله : نبّه به أنّه لا يتعرّى من ذلك البتّة ، فإنها إحدى القوى التي ركّب عليها . وقد قال بعضهم : العجل : الطين بلغة بعضهم ، وأنشد « 6 » : [ من البسيط ] والنّخل ينبت بين الطين والعجل ولا يبعد عن الصّنع . قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ « 7 » يريد الدنيا ، فإنها حاضرة بالنسبة إلى الآخرة ، فإنها وإن كانت حقّ اليقين إلا أنها آجلة . قوله : عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ « 8 » لم نعطه طلبته بل الذي نعجّله ما نشاء لا ما يتمنّاه . ثم أخبر أنه ليس كلّ متمنّ أيضا نعطيه ما يشاء ، بل أردنا ذلك له . ربّ رضّنا بما قسمت لنا ، ولا تجعلنا من الذين يريدون العاجلة .
--> ( 1 ) 83 / طه : 20 . ( 2 ) وفي س : بلا تحريه ، وهو وهم . ( 3 ) 84 / طه : 20 . ( 4 ) المفردات : 313 . ( 5 ) 37 / الأنبياء : 21 . ( 6 ) عجز لبيت في اللسان - مادة عجل ، وفيه : بين الماء والطين . وصدره : والنبع في الصخرة الصمّاء منبته ( 7 ) 18 / الإسراء : 17 . ( 8 ) تتمة الآية السابقة .